المدح المبالغ فيه .. وآثاره على الشخص الممدوح
المدح نقيض للذم ؛ وهو حسن الثناء على الشخص بما فيه من الصفات الجميلة ، والمدح أعم من الحمد .
وحب الثناء من طبائع الانسان ، والنفس الانسانية يعجبها المدح والإطراء ، ويحلو لها الاستماع إلى إعجاب الناس بها وثنائهم عليها قال الشاعر :
يهوى الثناء مبرز ومقصر .... حب الثناء طبيعة الانسان
والنساء لديهن زيادة في الثناء والإعجاب عن الرجال ، وقد قال الشاعر أحمد شوقي :
خدعوها بقولهم حسناء .... والغواني يغرهن الثناء
والمدح والثناء من الأمور التي تُسَر بها النفوس غالباً ، وهو يحفزها على زيادة العطاء والاستمرار فيه ،
والله سبحانه مدح أوليائه من المرسلين وأتباعهم ، وفي كتابه بيان ما أعده لهم من النعيم المقيم ، وفيه ذم أعدائهم من الكفار والمنافقين ، وبيان ما
توعدهم الله به من العذاب الأليم .
وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب في حضوره فقال : "ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك " أخرجه البخاري ومسلم
ولكنه صلى الله عليه وسلم كره المدح المبالغ فيه ، ففي الحديث الشريف : عن ابو موسى الاشعري رضي الله عنه قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم : " رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة ، فقال : أهلكتم ، أو قطعتم ، ظهر الرجل " رواه البخاري .
والناس يختلفون في تأثير الإطراء والثناء عليهم ، فمنهم المغرور الذي يقطع الإعجاب ظهره كما في الحديث ، ومنهم العاقل العارف بطبائع النفس وغريزتها فهذا لا يحمله الإطراء على الغرور ، بل كلما زاد إعجاب الناس به كلما عمل على ان يكون عند حسن ظنهم ، وهذا من المدح الجائز .
وبعض الناس - هداهم الله للحق يتزلفون بإطراء الممدوحين ، وقد يتخذون الثناء على الرؤساء وذوي الجاه تجارة لهم وطريق لعيشهم ، ويجعلون التملق رأسمال لهم في هذه الحياة ! فبئس هذا المدح الذي قد يغر الممدوح ، ويجعله ينظر لنفسه بالإعجاب والكِبْر .
أما من كان مدحه من قبيل التشجيع ، وإظهار علامات الاستحسان لما يقوم به الشخص الممدوح من أعمال جليلة حتى يحمله هذا المدح على الاستمرار فيها فهو من المدح المحمود ، الذي يثاب فاعله ،
وعلى العموم فقد ورد النهي عن المبالغة في المدح ، وبالذات في وجه الممدوح ، لأن المبالغة هي زيادة عن الحق ،
ففي حديث المقداد رضي الله عنه أن رجلاً جعل يمدح عثمان رضي الله عنه ، فعمد المقداد ، فجثا على ركبتيه ، فجعل يحثو في وجهه الحصباء ،
فقال له عثمان : ما شأنك ؟ فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " . أخرجه مسلم .
والمدح المبالغ فيه قد يحمل من الاطراء ما يجاوز الحقيقة ، ويخرج عن حده إلى التكلف وقد كرهه النبي عليه الصلاة والسلام حين سمع من بعض المسلمين ثناء عليه متكلفاً ، فقد قيل له : يا سيدنا وابن سيدنا ، ويا خيرنا وابن خيرنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس عليكم بتقواكم ، ولا يستهوينكم الشيطان ، أنا محمد بن عبد الله ، عبد الله ورسوله ، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل " أخرجه أحمد ،،
وفي الختام ادعو الله أن يجعلني والقراء الكرام ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وصلى الله على نبينا وحبيبنا وآله وصحبه وسلم ،،،،
عبد الله العسكر