طريق النجاة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أمابعد
فإننا نعيش في هذه الأزمنة فتناً كبيرة ، ومتغيرات خطيرة ، تعصف بنا كعصف الريح العاتية بالورقة اليابسة , فتن تمر على العباد كقطع الليل المظلم ، تتبدل فيها الأحوال وتتغير فيها النفوس ، وتضيق بها صدور أهل الحق , ولا ريب أن الأمة الإسلامية تعيش أحوالاً عصيبة، قد تكون من أشد الأيام التي مرت بها عبر التاريخ ؛ فالمصائب متنوعة، والجراحات عميقة، والمؤامرات تحاك تلو المؤامرات , ويضاف إلى ذلك ما تعانيه هذه الأمة من الضعف والهوان ، على مستوى الشعوب والأفراد والحكام بركوع بعضهم لأعداء الدين , والطواف حول عروشهم , ويسبحون بكفرهم , ويقدسون أوامرهم , ولا يفكرون بمخالفتهم , وما هذه التغيرات في كثير من بلاد المسلمين بتضييق على أهل الحق والمحتسبين , وتسلط أعداء الدين من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين والعلمانيين والليبراليين والخونة الرافضة الضالين والمضلين إلا بعض آثار تعبئة الشعوب الإسلامية بالظلم والمذلة وهضم الحقوق الدينية والدنيوية وإخماد المطالبين والنتيجة ولله الحمد - تساقط بعض الأنظمة والطواغيت وانتظار البعض , واهتزت العروش الكرتونية , وضعفت النفوس المتكبرة , وتساقطت الأقنعة المزيفة.
وقد اخبرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن وقوع الفتن وعمومها وشدة خطرها ، فقال عليه الصلاة والسلام : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً , ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (ستكون فتن ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، ومن يشرف لها تستشرفه ، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به) ، وهذه بعض الأدلة التي تدل على كثرة الفتن ، وتتابعها ، وعموم البلوى بها ، وأنه لا يكاد يسلم منها أحد , وهذا يفيد أن المسلم بحاجة إلى الثبات على الدين والحرص على القيم الإسلامية والفطرة السليمة والتصدي لهذه الفتن ، والثبات يحتاجه حتى الأنبياء والرسل، قال تعالى : (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في سجوده : (اللهم مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك) فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يهتم بطلب الثبات ويدعو الله تعالى به في سجوده ، فالناس أولى وأحرى إلى ذلك ، ومن أعظم الأسباب في تحقيق الثبات على الدين أن يعتصم المسلم بالكتاب والسنة ، فإنهما الأصل , وأساس الخير ، وحزام الأمان من الضلال بعد الهدى ومن الحور بعد الكور ، فمن اعتصم بهما فقد هُدي ، ومن استمسك بهما فقد فاز وأفلح ، وقد ضمن الله تعالى لمن تمسك بهما أنه لا يضل ولا يشقى ، قال تعالى : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) , وقد لخص الإمام ابن القيم الجوزية - رحمه الله تعالى- حقيقة الاعتصام بالقرآن العظيم بقوله : ( وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم ، ومعقولاتهم ، وأذواقهم , وكشوفاتهم , ومواجيدهم , فمن لم يكن كذلك فهو مُنسل من هذا الاعتصام فالدين كله في الاعتصام به وبحبله ، علماً وعملاً ، وإخلاصاً واستعانةً ، ومتابعةً ، واستمراراً على ذلك إلى يوم القيامة ) , وقد أجمع المسلمون أنه لا مخرج للعبد من الفتن المتلاحقة والبلايا المتعاقبة إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة ، وأجمعوا على أن من أعظم أسباب حلول الفتن مخالفة الكتاب والسنة ،كما قال تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وختاماً ... فإن الواجب على المسلمين الإقبال على القرآن الكريم والسنة المطهرة قراءةً وحفظاً وتعلماً وتدبراً وتعليماً والتحاكم إليهما ، ونبذ جميع الأعراف والتقاليد والعادات والأنظمة المخالفة لهما وتقديمهما على كل شيء ، وجعلهما حكماً عند التنازع والاختلاف ، فلا نقدم عليهما رأياً ولا نظاماً ولا سياسةً ولا عقلاً ولا شهوةً ولا مذهباً ، ولا أي شيء ، كما قال تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) , ويجب على طائفة بقدر الكفاية - من علماء المسلمين وطلاب العلم المتمكنين ببذل الأوقات واستخدام شتى الوسائل في بث أخبار اليقين بنصر الدين , والإهتمام ببناء النفوس , وتربيتها التربية الإيمانية السلفية ؛ لمواجهة المرحلة المستقبلية لهذه الأمة . والحرص التام على نشر جهاد الكلمة والبيان بالحكمة البالغة والحجة الدامغة لكتم الأفواه التي تنادي إلى نبذ الكتاب والسنة والإقبال على هدي الغرب الكافر والسير وراؤهم حذو القذة بالقذة ، وهل هؤلاء المنادين الناعقين إلا دعاة للفتنة على أبواب جهنم ؟!
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أبو خلاد ناصر بن سعيد السيف
20 شعبان 1432 هـ
abuklad@hotmail.com