×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

القيادة التي لا تبحث عن الضوء بقلم: علي المفتاح

image


في المراحل المفصلية من تاريخ المجتمعات يبرز سؤال القيادة بوصفه سؤالاً عن المعنى قبل أن يكون سؤالاً عن الأسماء. فمن السهل أن يحضر الإنسان في المشهد، لكن الأصعب أن يبقى في الذاكرة العامة بوصفه قيمة، لا مجرد صورة عابرة.

نحن في زمن يكثر فيه الظهور، وتتشكل فيه الانطباعات بسرعة غير مسبوقة. ولهذا يصبح التمييز ضرورياً بين حضور تصنعه الأضواء، وحضور تصنعه المسؤولية. فليست كل قيادة تُرى كثيراً، كما أن الغياب عن الواجهة لا يعني بالضرورة غياب التأثير.

القيادات التي لا تبحث عن الضوء تمتلك غالباً وعياً مختلفاً بطبيعة الدور العام. تنطلق من إدراك أن العمل العام ليس مساحة لإثبات الذات، بل ميدان لتحمل الأمانة. وأن القيمة الحقيقية لأي قائد لا تُقاس بمدى حضوره الإعلامي، بقدر ما تُقاس بأثره الممتد في حياة الناس.

هذا النوع من القيادات يتشكل بعيداً عن الضجيج، في مساحات العمل الطويل، حيث تُختبر النوايا وتُصقل الخبرات، وتُبنى العلاقة الحقيقية مع المجتمع. علاقة تقوم على الفهم قبل التمثيل، وعلى الإنصات قبل الخطاب، وعلى التراكم الهادئ قبل أي إعلان.

وفي الميدان يظهر الفارق بوضوح. هناك من يربط مكانته بالمشهد، فإذا غاب خفت حضوره. وهناك من يربطها بالمسار، فيتحرك ضمن أفق أوسع، مدركاً أن بناء الثقة العامة عملية بطيئة، تتطلب اتزاناً وثباتاً، وقدرة على تغليب المصلحة العامة حتى في اللحظات الحساسة.

كما أن القيادة التي لا تلاحق الضوء تكون في العادة أقدر على صناعة الاستقرار. فهي لا تُدار بمنطق ردود الفعل، ولا تنجرف خلف موجات الرأي، بل تتحرك وفق رؤية متماسكة، تدرك أن القرارات الكبرى لا تُقاس بوقعها اللحظي، بل بآثارها مع الزمن.

ومن سمات هذا النمط من القيادات أنه يعيد الاعتبار لفكرة البناء المؤسسي. فالقائد الناضج لا يسعى إلى احتكار الإنجاز، بل إلى توسيع دائرته. يفسح المجال للكفاءات، ويؤمن أن أعظم ما يمكن أن يتركه هو منظومة قادرة على الاستمرار، لا تجربة مرتبطة باسمه.

نحن بحاجة اليوم إلى انتشار هذه المقاربة في مجتمعاتنا، لأنها تعيد تشكيل فهم القيادة ذاته. تتحول القيادة من حالة استثنائية إلى ثقافة، ومن حضور فردي إلى وعي جمعي بقيمة المسؤولية. وعندها فقط تنضج التجارب، وتترسخ المؤسسات، وتغدو الثقة العامة أكثر عمقاً واستدامة.

قد تمنح الأضواء حضوراً سريعاً، لكنها لا تمنح قيمة حقيقية.
أما الثقة، فتُبنى في الظل، وتكبر مع الزمن، وتبقى حين يتغير كل شيء.

ولهذا فإن القيادات التي لا تبحث عن الضوء،
هي غالباً تلك التي يُلتفت إليها عندما تتطلب اللحظة رجال دولة، لا رجال مشهد.
بواسطة : كاتب
 0  0  510

الأكثر قراءة

سمير المقرن الحادثة التي نشرتها جريدة «اليوم» بداية هذا الأسبوع...

03-17-2010 06:11 الأربعاء

لأول مره التعبير عن التعبير عوض الأحمري منذ أن حملت مع أبناء...

06-28-2010 06:05 الإثنين

نشرت صحيفة «الغد» الأردنية في عددها الصادر يوم 21/2/2010 الإعلان...

03-13-2010 06:52 السبت

المقابلات الشخصية للضرورة أم للمحسوبية مسفر القحطاني...

06-26-2010 10:30 السبت

ترقبوا ؟؟؟ نورة الاحمري لقد كان من كم يوم هدية من خادم...

09-05-2010 11:10 الأحد

لعنة000الكرسي !البعض يعتقد انه الأمر الناهي منذ أن يتسلم مسؤولية...

09-02-2010 11:38 الخميس

محتويات

التربية بالسكاكين

التربية بالسكاكين

سمير المقرن الحادثة التي نشرتها جريدة «اليوم» بداية هذا الأسبوع عن تعرض طالب لم يتجاوز عمره إثني عشر عاماً..

03-17-2010 06:11 الأربعاء   108264
لاول مره التعبير عن التعبير

لاول مره التعبير عن التعبير

لأول مره التعبير عن التعبير عوض الأحمري منذ أن حملت مع أبناء هذا الوطن حقيبة المدرسة وأنا أتلقى و أتلقن مواضيع..

06-28-2010 06:05 الإثنين   117421
وظيفة سعودية في صحيفة أردنية

وظيفة سعودية في صحيفة أردنية

نشرت صحيفة «الغد» الأردنية في عددها الصادر يوم 21/2/2010 الإعلان التالي: «فرصة عمل في المملكة العربية السعودية، مطلوب..

03-13-2010 06:52 السبت   106618
المقابلات الشخصية للضرورة أم للمحسوبية

المقابلات الشخصية للضرورة أم للمحسوبية

المقابلات الشخصية للضرورة أم للمحسوبية مسفر القحطاني دخلت في الآونة الأخيرة عملية إجراء المقابلات الشخصية..

06-26-2010 10:30 السبت   109086

جديد الفيديو