صحفي بلا جمهور.. ماذا بقي من إعلامك؟
نبأ بقلم علي حسن المفتاح يبدو أن الحديث عن صناع المحتوى ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي لا يزال يزعج شريحة من الزملاء الصحفيين، وكأن الاعتراف بقوة هؤلاء وانتشارهم انتقاص من تاريخ الصحافة أو تقليل من قيمة الصحفي. شخصياً لا أفهم هذه الحساسية، ولا أفهم أكثر تلك النظرة الدونية التي يتعامل بها البعض مع صانع المحتوى، خصوصاً حين يكون الحديث عن الإعلام ومستقبله.
لنختلف على المسميات كما نشاء، ولا مانع لدي أن نقول إن صانع المحتوى ليس صحفياً، فالصحافة لها أدواتها وأصولها ومسؤولياتها المهنية، لكن هل انتهى الإعلام عند حدود الصحافة؟ وهل بقي الجمهور ينتظر منا أن نحدد له من يستحق أن يسمعه ومن لا يستحق؟
الواقع تجاوز هذا النقاش منذ وقت طويل.
اليوم يستطيع شخص واحد، بهاتف محمول وحساب في إحدى منصات التواصل، أن يصل في ساعات إلى جمهور قد تعجز عشرات الصحف الإلكترونية عن الوصول إليه مجتمعة. يستطيع أن يطرح قضية فتتحول إلى حديث الناس، أو يزور مكاناً فيصنع له شهرة، أو يتحدث عن منتج فتقفز مبيعاته. في المقابل قد تنشر صحيفة عشرات الأخبار يومياً، يعمل عليها محررون ومصورون، ثم تمر بهدوء شديد وكأنها لم تنشر.
هذه ليست شماتة في الصحافة التي أنتمي إلى وسطها وأقدر رجالها، وإنما حقيقة علينا أن نملك الشجاعة للاعتراف بها.
الصحافة الورقية تراجعت، ومشاهدة التلفزيون لم تعد كما كانت، وحتى الصحف الإلكترونية التي اعتقدنا لسنوات أنها البديل المنتصر وجدت نفسها أمام منافس لم يكن موجوداً في حساباتها. المنافس هذه المرة ليس صحيفة أخرى، بل شخص يقف أمام كاميرا هاتفه ويتحدث إلى جمهوره مباشرة.
والأغرب أننا بدلاً من دراسة هذه الظاهرة وفهم أسباب نجاحها، انشغل بعضنا بالسخرية منها. هذا مشهور، وذاك «سنابي»، والآخر لا يعرف كتابة خبر، وهذه لا تعرف الفرق بين التحقيق والتقرير. حسناً، قد يكون كل ذلك صحيحاً، ولكن هذا الذي نسخر منه يشاهده نصف مليون شخص، فكم شخصاً قرأ خبرك اليوم؟
السؤال قاسٍ، لكنه ضروري.
في الإعلام لا يكفي أن تكون المادة جيدة، بل يجب أن تصل. ولا أعتقد أن المعلن الذي يدفع من ميزانيته سيمنح صحيفة إعلاناً مكافأة لها على جودة الصياغة وسلامة علامات الترقيم، هو يبحث عن الجمهور، وحين يجد هذا الجمهور عند صانع محتوى فمن الطبيعي أن يذهب إليه.
هنا تحديداً تكمن المشكلة التي لا تريد بعض المؤسسات الصحفية الاعتراف بها. صناع المحتوى لم يسرقوا جمهور الصحافة، بل وجدوا جمهوراً لم تعد الصحافة تعرف كيف تخاطبه. اقتربوا منه، تحدثوا بلغته، دخلوا هاتفه، وعرفوا ماذا يريد ومتى يريد أن يسمع. قد نختلف مع كثير من أساليبهم، لكنهم نجحوا في الوصول، وهذه مهارة إعلامية لا يجوز الاستهانة بها.
ولست هنا بصدد تلميع صناع المحتوى، ففي هذا الوسط تجاوزات وأخطاء ومحتوى سطحي، كما أن غياب التحقق والرقابة التحريرية أوقع بعضهم في مشكلات كان يمكن تجنبها. لكن من الظلم أن نختار أسوأ نموذج في صناعة المحتوى ثم نحاكم به الجميع، بينما نختار أفضل نموذج في الصحافة ونقدمه دليلاً على تفوق الصحفيين. فالصحافة أيضاً عرفت الخبر المنسوخ والعنوان البارد والمادة التي لا تضيف شيئاً، وعرفت من يحمل صفة صحفي ولا يملك من الصحافة إلا بطاقة أو اسماً في ترويسة.
من وجهة نظري، الصحف الإلكترونية التي تريد البقاء عليها أن تعيد النظر في علاقتها بصناع المحتوى والمؤثرين. لا أدعو إلى منحهم لقب صحفي، ولا إلى وضعهم على مكاتب التحرير وطلب كتابة الأخبار منهم، بل أدعو إلى احتوائهم داخل المنظومة الإعلامية والاستفادة من القوة التي يملكونها.
الصحيفة تملك الخبرة المهنية والتحرير والتحقق والمسؤولية، وصانع المحتوى يملك الجمهور والوصول وفهم المنصات. لماذا نصر على أن يقف الاثنان في جهتين متقابلتين؟
خذوا صانع المحتوى إلى المؤسسة وعلموه كيف يتحقق قبل أن ينشر، وكيف يحفظ حقوق الآخرين، وكيف يفرق بين المعلومة والرأي، وكيف يدرك مسؤولية الكلمة حين تصل إلى مئات الآلاف. وبعد ذلك لا بأس أن يتواضع الصحفي قليلاً ويسأل صانع المحتوى: كيف استطعت أن تجعل كل هؤلاء يتابعونك؟
ليس في السؤال عيب.
العيب أن تنشر صحيفة سبعين خبراً في يوم واحد، ثم يكون مجموع ما حققته أقل من مشاهدات مقطع لشخص كنا نسخر منه بالأمس، وبعد ذلك نعقد اجتماعاً للحديث عن ضعف الوصول دون أن نجرؤ على مناقشة السبب الحقيقي.
أنا منحاز إلى صناع المحتوى في هذه المعركة، وأقولها بوضوح. ليس لأنهم أكثر مهنية من الصحفيين، ولا لأن كل مشهور يستحق أن يكون إعلامياً، ولكن لأنني أرى أن المستقبل يتحرك في اتجاههم، ولأنهم يملكون اليوم أهم ما تبحث عنه كل وسيلة إعلام: الجمهور.
يمكن أن نعلم صانع المحتوى كثيراً من قواعد العمل الإعلامي، ويمكن أن نصقل تجربته ونرفع مستوى مسؤوليته، لكن بناء جمهور حقيقي ليس أمراً تمنحه دورة تدريبية أو بطاقة عضوية. هناك أشخاص استطاعوا خلال سنوات أن يبنوا علاقة يومية مع مئات الآلاف من البشر، ومن الغباء المهني أن ننظر إليهم باستخفاف بدلاً من أن نفكر كيف نستفيد من تجربتهم.
الصحافة لن تختفي، وأنا لا أؤمن بموتها، لكنها بالتأكيد لن تبقى بالشكل الذي عرفناه. والصحف التي ستنجو ليست تلك التي تكثر الحديث عن تاريخها، بل التي تفهم حاضر الناس قبل فوات الأوان.
أما صناع المحتوى، فهم لا ينتظرون اعترافنا بهم، وهذه ربما الحقيقة التي تزعج البعض أكثر من غيرها.
الجمهور اعترف بهم قبلنا.
ونحن من تأخر.
لنختلف على المسميات كما نشاء، ولا مانع لدي أن نقول إن صانع المحتوى ليس صحفياً، فالصحافة لها أدواتها وأصولها ومسؤولياتها المهنية، لكن هل انتهى الإعلام عند حدود الصحافة؟ وهل بقي الجمهور ينتظر منا أن نحدد له من يستحق أن يسمعه ومن لا يستحق؟
الواقع تجاوز هذا النقاش منذ وقت طويل.
اليوم يستطيع شخص واحد، بهاتف محمول وحساب في إحدى منصات التواصل، أن يصل في ساعات إلى جمهور قد تعجز عشرات الصحف الإلكترونية عن الوصول إليه مجتمعة. يستطيع أن يطرح قضية فتتحول إلى حديث الناس، أو يزور مكاناً فيصنع له شهرة، أو يتحدث عن منتج فتقفز مبيعاته. في المقابل قد تنشر صحيفة عشرات الأخبار يومياً، يعمل عليها محررون ومصورون، ثم تمر بهدوء شديد وكأنها لم تنشر.
هذه ليست شماتة في الصحافة التي أنتمي إلى وسطها وأقدر رجالها، وإنما حقيقة علينا أن نملك الشجاعة للاعتراف بها.
الصحافة الورقية تراجعت، ومشاهدة التلفزيون لم تعد كما كانت، وحتى الصحف الإلكترونية التي اعتقدنا لسنوات أنها البديل المنتصر وجدت نفسها أمام منافس لم يكن موجوداً في حساباتها. المنافس هذه المرة ليس صحيفة أخرى، بل شخص يقف أمام كاميرا هاتفه ويتحدث إلى جمهوره مباشرة.
والأغرب أننا بدلاً من دراسة هذه الظاهرة وفهم أسباب نجاحها، انشغل بعضنا بالسخرية منها. هذا مشهور، وذاك «سنابي»، والآخر لا يعرف كتابة خبر، وهذه لا تعرف الفرق بين التحقيق والتقرير. حسناً، قد يكون كل ذلك صحيحاً، ولكن هذا الذي نسخر منه يشاهده نصف مليون شخص، فكم شخصاً قرأ خبرك اليوم؟
السؤال قاسٍ، لكنه ضروري.
في الإعلام لا يكفي أن تكون المادة جيدة، بل يجب أن تصل. ولا أعتقد أن المعلن الذي يدفع من ميزانيته سيمنح صحيفة إعلاناً مكافأة لها على جودة الصياغة وسلامة علامات الترقيم، هو يبحث عن الجمهور، وحين يجد هذا الجمهور عند صانع محتوى فمن الطبيعي أن يذهب إليه.
هنا تحديداً تكمن المشكلة التي لا تريد بعض المؤسسات الصحفية الاعتراف بها. صناع المحتوى لم يسرقوا جمهور الصحافة، بل وجدوا جمهوراً لم تعد الصحافة تعرف كيف تخاطبه. اقتربوا منه، تحدثوا بلغته، دخلوا هاتفه، وعرفوا ماذا يريد ومتى يريد أن يسمع. قد نختلف مع كثير من أساليبهم، لكنهم نجحوا في الوصول، وهذه مهارة إعلامية لا يجوز الاستهانة بها.
ولست هنا بصدد تلميع صناع المحتوى، ففي هذا الوسط تجاوزات وأخطاء ومحتوى سطحي، كما أن غياب التحقق والرقابة التحريرية أوقع بعضهم في مشكلات كان يمكن تجنبها. لكن من الظلم أن نختار أسوأ نموذج في صناعة المحتوى ثم نحاكم به الجميع، بينما نختار أفضل نموذج في الصحافة ونقدمه دليلاً على تفوق الصحفيين. فالصحافة أيضاً عرفت الخبر المنسوخ والعنوان البارد والمادة التي لا تضيف شيئاً، وعرفت من يحمل صفة صحفي ولا يملك من الصحافة إلا بطاقة أو اسماً في ترويسة.
من وجهة نظري، الصحف الإلكترونية التي تريد البقاء عليها أن تعيد النظر في علاقتها بصناع المحتوى والمؤثرين. لا أدعو إلى منحهم لقب صحفي، ولا إلى وضعهم على مكاتب التحرير وطلب كتابة الأخبار منهم، بل أدعو إلى احتوائهم داخل المنظومة الإعلامية والاستفادة من القوة التي يملكونها.
الصحيفة تملك الخبرة المهنية والتحرير والتحقق والمسؤولية، وصانع المحتوى يملك الجمهور والوصول وفهم المنصات. لماذا نصر على أن يقف الاثنان في جهتين متقابلتين؟
خذوا صانع المحتوى إلى المؤسسة وعلموه كيف يتحقق قبل أن ينشر، وكيف يحفظ حقوق الآخرين، وكيف يفرق بين المعلومة والرأي، وكيف يدرك مسؤولية الكلمة حين تصل إلى مئات الآلاف. وبعد ذلك لا بأس أن يتواضع الصحفي قليلاً ويسأل صانع المحتوى: كيف استطعت أن تجعل كل هؤلاء يتابعونك؟
ليس في السؤال عيب.
العيب أن تنشر صحيفة سبعين خبراً في يوم واحد، ثم يكون مجموع ما حققته أقل من مشاهدات مقطع لشخص كنا نسخر منه بالأمس، وبعد ذلك نعقد اجتماعاً للحديث عن ضعف الوصول دون أن نجرؤ على مناقشة السبب الحقيقي.
أنا منحاز إلى صناع المحتوى في هذه المعركة، وأقولها بوضوح. ليس لأنهم أكثر مهنية من الصحفيين، ولا لأن كل مشهور يستحق أن يكون إعلامياً، ولكن لأنني أرى أن المستقبل يتحرك في اتجاههم، ولأنهم يملكون اليوم أهم ما تبحث عنه كل وسيلة إعلام: الجمهور.
يمكن أن نعلم صانع المحتوى كثيراً من قواعد العمل الإعلامي، ويمكن أن نصقل تجربته ونرفع مستوى مسؤوليته، لكن بناء جمهور حقيقي ليس أمراً تمنحه دورة تدريبية أو بطاقة عضوية. هناك أشخاص استطاعوا خلال سنوات أن يبنوا علاقة يومية مع مئات الآلاف من البشر، ومن الغباء المهني أن ننظر إليهم باستخفاف بدلاً من أن نفكر كيف نستفيد من تجربتهم.
الصحافة لن تختفي، وأنا لا أؤمن بموتها، لكنها بالتأكيد لن تبقى بالشكل الذي عرفناه. والصحف التي ستنجو ليست تلك التي تكثر الحديث عن تاريخها، بل التي تفهم حاضر الناس قبل فوات الأوان.
أما صناع المحتوى، فهم لا ينتظرون اعترافنا بهم، وهذه ربما الحقيقة التي تزعج البعض أكثر من غيرها.
الجمهور اعترف بهم قبلنا.
ونحن من تأخر.
