×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

تحت قمر الأحدب المتناقص… وادي الدواسر يكتب سيرة المجالس التي تُنبت الرجال كما تُنبت الأرض نخلها

تحت قمر الأحدب المتناقص… وادي الدواسر يكتب سيرة المجالس التي تُنبت الرجال كما تُنبت الأرض نخلها
نبأ مبارك بن عوض الدوسري في مساءٍ هادئٍ من أمسيات وادي الدواسر، وبعد صلاة المغرب مباشرة، كان القمر يمضي في طوره الجميل من الأحدب المتناقص؛ ضوءٌ وفيرٌ يتراجع قليلاً كل ليلة، كأنه يفسح المجال لنجومٍ أخرى لتقول كلمتها؛ وعلى امتداد البصر، كانت الأرض قد لبست ثوبها النديّ، مبتلّة متشرّبة، غضّةً طريةً بعد أمطارٍ أعادت للحياة نضارتها، ففاحت رائحة المطر في الهواء، وامتزجت بعبير النخيل وأريج البساتين، وشذى طلع السبارا، حتى خُيّل إلينا أن المكان كلّه يتنفس حياةً جديدة.
هناك.. شرق المحافظة، في مزرعة أحد وجهاء المحافظة، التأم المجلس كعادته اليومية؛ مجلسٌ مفتوحٌ لا يُسأل فيه الطارق عن اسمه بقدر ما يُستقبل بوجهٍ طلقٍ وكلمةٍ طيبة؛ مضيفٌ كريمٌ، ظلّ بابه مشرعاً لنا ولغيرنا، يقدّم نموذجاً حياً لكرم الضيافة وأصالة المعدن، حيث يلتقي الناس على “العز وعلوم الرجال”، لا على مواعيد رسمية، بل على محبةٍ صادقةٍ وتقديرٍ متبادل.
اختلفت تلك الليلة عن سواها بشيءٍ خفيٍّ يسري في التفاصيل؛ فمع مرور فناجين القهوة، كان عطر العود الكمبودي ينساب بين الحضور واحداً تلو الآخر، يزيد اللحظة دفئاً ووقاراً، وكأن الزمن يتباطأ ليمنح الحديث حقّه من الإصغاء؛ فلم تكن الجلسة مجرد لقاء عابر، بل مساحةً حيّةً تتلاقح فيها الأفكار كما تتلاقح النخيل.
دار الحديث حول “شجرة النخيل”، سيدة المكان وذاكرة الإنسان؛ من التلقيح والكموم، إلى التطليق، وقلع النخيل وغرسه واستناباته؛ وكان اللافت أن أغلب الحاضرين يمتهنون زراعتها، فصار كل واحدٍ منهم شاهداً وخبيراً في آنٍ واحد، يدلي بدلوه في كل جانب، مستنداً إلى تجربةٍ تراكميةٍ ورثها أباً عن جد؛ ولم يكن الطرح عاطفياً فحسب، بل امتد ليشمل الجوانب العلمية الدقيقة، مدعّماً بمقارباتٍ وتجارب من دولٍ أخرى في زراعة النخيل، في مشهدٍ يُجسّد تزاوج المعرفة التقليدية بالعلم الحديث.
اتسم الحوار بالهدوء والاتزان، وأدب الحديث كان سيّد الموقف؛ الكبير مُقدّر، والصغير مُصغٍ ومشارك، وكل رأيٍ يجد طريقه إلى الآذان باحترام؛ ولم يكن هناك صوتٌ يعلو على آخر، بل كانت الحكمة تتنقّل بين الحضور بسلاسة، تُصاغ بالكلمة، وتُحفظ بالإنصات؛ وفي مثل هذه المجالس، لا تُقاس قيمة الحديث بطوله، بل بعمقه وأثره.
وقبيل أذان العشاء بدقائق معدودة، انفضّ المجلس على اتفاقٍ غير مكتوب: الصلاة أولاً؛ فقد نهض الجميع وكأنهم جسدٌ واحد، في صورةٍ تختصر المعنى الحقيقي للانضباط والوعي؛ فعندها تترسّخ القناعة بأن “المجالس مدارس” ليست مجرد مقولة، بل حقيقة تُعاش؛ ففي أقل من ساعة، اكتسب الحاضرون خبراتٍ ومعارف ومهارات، كان نصيب الشباب منها الأوفر، إذ تعلّموا بالسمع والرؤية كيف يكون الحوار ثرياً، وكيف تُبنى الفكرة، وكيف يُحترم الرأي.
تحت ذلك القمر الذي يمضي نحو تمام دورته، وبين أرضٍ ارتوت فأثمرت، ومجلسٍ احتضن فأنبت، يكتب وادي الدواسر حكايةً أخرى من حكاياته؛ حكايةُ رجالٍ يجتمعون على الخير، ويغادرون وقد تركوا في النفوس أثراً لا يقل عطاءً عن عطاء النخيل، ولا يقل جمالاً عن ضوء القمر.
بواسطة :
 0  0  1680

الأكثر قراءة

في إطار الجهود الوطنية لتعزيز الوعي الصحي والوقاية من الأمراض، فعّل...

04-17-2026 05:35 الجمعة

اختتمت أكاديمية الإعلام السعودية التابعة لوزارة الإعلام، اليوم،...

04-17-2026 11:17 الجمعة

اختتمت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، اللقاء الختامي...

04-17-2026 11:16 الجمعة

رعى صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن...

04-17-2026 11:15 الجمعة

اختتمت وزارة البيئة والمياه والزراعة اليوم أعمال ملتقى المسؤولية...

04-17-2026 11:14 الجمعة

عقد مجلس أمناء مؤسسة الأمير طلال بن عبدالعزيز الخيرية اجتماعه الأول...

04-17-2026 11:11 الجمعة

توقّع المركز الوطني للأرصاد في تقريره اليومي عن حالة الطقس -بمشيئة...

04-17-2026 10:51 الجمعة

أعربت وزارة الخارجية عن ترحيب المملكة بإعلان دونالد ترامب وقف إطلاق...

04-17-2026 10:50 الجمعة

أعلنت المديرية العامة لحرس الحدود عن ضبط عدد من مخالفين لنظام أمن...

04-17-2026 10:50 الجمعة

أعلنت سفارة المملكة العربية السعودية في القاهرة، في إطار متابعتها...

04-17-2026 10:48 الجمعة
أكثر