×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

شاب سعودي يكتب درساً جديداً في الشهامة على طريق الحاير وسط العاصفة

شاب سعودي يكتب درساً جديداً في الشهامة على طريق الحاير وسط العاصفة
نبأ غانم بن عبدالله سعد آل غانم في مساءٍ محمّل برياح الغبار، تحركتُ من جنوب الرياض برفقة أسرتي متجهاً إلى وادي الدواسر، في رحلة بعد إجازة، لكن السماء يومها كانت تُنذر بأن الطريق يخفي ما هو أكثر من مجرد مسافة؛ فما إن غادرت محطة الوقود في بداية طريق الحاير حتى باغتتنا موجة غبار كثيفة، كأنها جدار من الرمل يتحرك بقوة لا ترحم، فخففت السرعة وأشعلت أنوار التحذير، مستعيناً بالله أن تمرّ هذه العاصفة بسلام.
لم تمضِ سوى كيلومترات قليلة حتى أضاءت لوحة المركبة معلنة خللاً في أحد الإطارات؛ أوقفت حينها المركبة على يمين الطريق، والرياح تكاد تدفعني بعيداً كلما حاولت النزول؛ وتأكدت أن الإطار بحاجة إلى استبدال، لكن المهمة لم تكن سهلة: فالغبار يعصف، والحقائب تغطي مكان الإطار الاحتياطي، وأنا أعاني من ألم في الظهر والكتف، والطريق حديث لا توجد عليه ورش صيانة، وأقرب مركز إصلاح في حوطة بني تميم على بعد يقارب مئة كيلومتر.
اتصلت بأحد تطبيقات الصيانة، فجاء الرد بأن أقرب فني سيصل خلال أربعين دقيقة؛ ووافقت على مضض، فليس أمامي خيار آخر؛ وبينما كنت أعدّ الدقائق وسط العاصفة، حدث ما لم يكن في الحسبان.
من بين الغبار، ظهرت مركبة تابعة لإحدى الشركات الوطنية، يقودها شاب سعودي في مقتبل العمر؛ لم يتردد لحظة حين لمح أنوار التحذير وموقفي الصعب؛ فأوقف مركبته، ونزل بثبات رغم الرياح، واقترب يسأل بلهجة ابن البلد: "أخوي… تحتاج مساعدة؟"؛ لم يكن السؤال مجرد عبارة، بل كان امتداداً لإرث طويل من الشهامة التي تربى عليها أبناء هذا الوطن.
شرحت له الوضع، فما كان منه إلا أن عرض أن يقوم هو بكل شيء: إنزال الحقائب، إخراج الإطار الاحتياطي، واستبدال التالف؛ حاولت أن أشاركه العمل، لكنه أصرّ أن يتحمل الجزء الأكبر، وكأنه يقوم بواجب تجاه أخ له لا يعرفه؛ بمهارة وخبرة واضحة، استخدم عدته الخاصة، وبدّل الإطار وسط الغبار والريح، دون أن ينتظر شكراً أو مقابلاً.
وما إن انتهينا حتى وصل الفني الذي طلبته عبر التطبيق، فأعطيته أجره المتفق عليه رغم أنه لم يقدم الخدمة، فالعهد عهد؛ لكن الموقف لم ينتهِ هنا… فقد واصل ذلك الشاب السعودي فزعته الأصيلة، وأصرّ أن يسير أمامي حتى نصل إلى حوطة بني تميم، ليطمئن أنني وصلت إلى مكان يمكنني فيه إصلاح الإطار أو شراء آخر جديد؛ حاولت أن أثنيه عن ذلك، مؤكداً أن ما قدمه يكفي وزيادة، لكنه رفض بإصرار يعكس معدن شباب هذا الوطن.
سار أمامي طوال الطريق، لا يبتعد كثيراً، يلتفت بين حين وآخر ليتأكد أنني بخير، حتى دخلنا حوطة بني تميم، وهناك توقف، ولوّح لي مودعاً بابتسامة ابن البلد الذي يرى أن ما فعله واجب لا يُشكر عليه.
واصلت طريقي وأنا أدعو له ولأمثاله، وأشعر بفخر لا يوصف؛ فوسط العاصفة، وفي لحظة كان يمكن أن تكون مرهقة ومقلقة، ظهر شاب سعودي ليجسد معنى النخوة التي ورثها أبناء هذا الوطن من دينهم، ومن آبائهم وأجدادهم… نخوة لا تنتظر مقابلاً، ولا تعرف التردد، ولا تميز بين من يعرفون ومن لا يعرفون.
إنها قصة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها شهادة جديدة على معدن شباب السعودية… شباب إذا رأوا محتاجاً قالوا: "نحن لها"، وإذا هبّوا لفزعة، فعلوها بوجه بشوش وقلب كبير، وكأن الشهامة جزء من تكوينهم لا يتعلمونها بل يولدون بها.
بواسطة :
 0  0  240

الأكثر قراءة

أعلنت المديرية العامة لحرس الحدود، ممثلة في قيادة منطقة عسير، عن...

04-11-2026 12:32 السبت

أعلنت الهيئة الملكية لمدينة الرياض عن بدء إجراءات نزع ملكية عدد من...

04-11-2026 12:31 السبت

أطلقت هيئة تقويم التعليم والتدريب مبادرتها الرقمية الوطنية “نوافذ...

04-11-2026 12:30 السبت

أطلقت هيئة تقويم التعليم والتدريب مبادرتها الرقمية الوطنية “نوافذ...

04-11-2026 12:30 السبت

يُعد المتحف البحري بمحافظة فرسان من أبرز المعالم الثقافية التي تعكس...

04-11-2026 12:23 السبت

دعت المديرية العامة للدفاع المدني المواطنين والمقيمين إلى توخي...

04-11-2026 12:22 السبت

صرّح مصدر مسؤول في وزارة الطاقة بأن منشآت الطاقة الحيوية في المملكة...

04-11-2026 12:21 السبت

أعلنت هيئة تطوير محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية منح ملاك...

04-11-2026 12:21 السبت

أعلنت الهيئة العامة للأمن الغذائي عن تفعيل خدمة حجز المواعيد...

04-11-2026 12:19 السبت

في مساءٍ محمّل برياح الغبار، تحركتُ من جنوب الرياض برفقة أسرتي...

04-11-2026 12:14 السبت
أكثر